هشام جعيط
103
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
لها الأبعاد نفسها تقريبا ، وهي توافق أبعاد الجدران الداخلية . وتوجد الأبراج وعددها عشرون بالمكان نفسه دائما ، وتنغمس في آثار الأبراج القديمة وقد تساوى عددها بالضبط « 1 » . نتعرف بمساعدة على الآثار على هذه القلعة العظيمة بالنظر لهذا المستوى الأول ، إذ كان سمك جدرانها يتراوح بين متر وثمانين سم ، ومترين ! أما المادة المستخدمة فهي الآجر بقياس 36 سم * 36 سم * 9 سم ، لكن شكل اللبنات غير منتظم ، واستخدمت كذلك نصف الآجرة أو القطعة منها في بعض الأحيان ، والجبس كموثق للآجر ، أو أنه كان يمزج بقطع من الآجر لتبليط البناية . ولم تظهر في هذه الفترة أشياء أو مواضيع زخرفية « 2 » . وما نجده في الجملة هو هيكل وخطوط موجهة أساسية . لكن ماذا تقول المصادر الكتابية في هذا الموضوع ؟ يتحدث سيف والبلاذري فقط عن القصر . ولا نجد عند البلاذري خبرا عمّا قام به سعد من بناء لا في الموضع المحدد للمسجد ، ولا في الموضع المحدد للقصر داخل المساحة العمومية . وتنسب الرواية صراحة إلى زياد بناء القصر « 3 » . وقد ورد بخبر فرعي قصير وجدّي أن سعدا أحاط قصره بالقصب وجهزه بباب خشبي « 4 » ، يحتمل أنه جلب مع أبواب أخرى من المدائن . فمن الممكن إذن أن يكون القصر بقي خلاء عراء ، ومعسكر خيام الأمير ، وأنه كان شبه مركز للقيادة على الطريقة البدوية . والأقرب إلى المعقول أنه ربما بني بالقصب بناء بدائيا ، فكان خصّا ضخما حتى زمن زياد ، بين خصاص الناس المقيمين الكثيرة . وفي هذه الصورة يبدو واضحا لا محالة أن الأسس التي سبقت العصر الأموي « 5 » ، من المستوى الأول للحفريات يرجع تاريخها إلى زياد وتنتسب إذن إلى الفترة الأولى من الدولة الأموية . أما المستوى الأموي ذاته ، فيؤرخ فيما بعد سنة 75 ه / 695 م . كان سيف أكثر تفصيلا . وهو يميل بصورة واضحة إلى إعادة بناء الماضي بواسطة الحاضر . فقد أدخل فكرة قصر أول ارتبط بالمسجد بواسطة نفق طوله 200 ذراع ( ما يقرب من 108 أمتار ) بني بالآجر أصلا ، وهو الآجر المنتزع من قصر ساساني كان يوجد
--> ( 1 ) المرجع نفسه ، ص 61 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 61 . ( 3 ) فتوح البلدان ، ص 276 ؛ . Annali , III , 2 , p . 850 . الحقيقة أن الدينوري يتحدث في الأخبار الطوال ، ص 124 ، عن بناء القصر والجامع من طرف سعد . ولم يذكر خليفة بن خيّاط شيئا من ذلك ، ج 1 ، ص 109 . ( 4 ) فتوح البلدان ، ص 277 . ( 5 ) لا شيء يسمح لمحمد علي مصطفى بالتصريح أن المستوى الأول يعود تاريخه إلى ولاية سعد . لم يكن قوله سوى افتراض مستنبط انطلاقا من المصادر الكتابية . ألم يتحدث هو نفسه عن قصر أموي ثان ، لم تتحدث عنه المصادر التي بين أيدينا ؟ مرجع مذكور ، ص 47 .